مذبحة القلعة
أول مارس/آذار سنة ١٨١١ —
أعلن الباشا عزمه على إقامة مهرجان في القلعة للاحتفال بتوديعها، وإلباسابنه طوسن باشا رسميٍّا فروة الإمارة عليها، فلما كان مساء آخر يوم من شهر فبراير/شباط، بعث الباشا دعوة لحضور ذلك المهرجان إلى جميع أرباب الوظائف المدنية والعسكرية في مصر. وطلب إلى أمراء المماليك القدوم إليه بملابس التشريفة الكبرى. فلما كان صباح يوم الجمعة المضروب موعدًا، لم تكد الشمس تعلو الأفق، إلا واحتشدت الجماهير العديدة في الطريق المؤدي إلى القلعة، للتفرج على مواكب العسكرالعثماني والألباني السائرة إلى ذلك الحصن المنيع براياتها وطبولها، وبالأخص على موكب الأمراء المماليك الفخم الذي لم يكن له مثيل في الوجود، في بهجة ملابسه، وجمال هندامه، وجلال خيوله، وسطوع أسلحته المفضضة والمذهبة، بل الفضية والذهبية.
وكان عدد من لبى الدعوة من الأمراء أربع مئة وسبعين، فلما اجتاز آخر أمير منهم باب العزب — وهو باب القلعة من جهة الغرب، ويُفتح الآن على ميدان صلاح الدين، الذي كان يقال له في ذلك العهد ميدان الرميلة — لما اجتاز آخر أمير منهم باب العزب انغلق مصراعاه وراءه، وأقامت أقوام المتفرجين تنظر فتحه لخروج الداخلين منه.
وكان الباشا قد قضى ليلته في سراي القلعة، وقام مبكرًا كعادته، فاستقبل وفود القادمين بكل بشاشة وحفاوة. وبالغ، على الأخص، في إكرام الأمراء المماليك، فإنه قدم إليهم القهوة، وما فتئَ يحادث أكابرهم، حتى أتاه من أخبره بأن المدعوين استقروا في أماكنهم وأن جميع فيالق العسكر اصطفت في مواضعها فنهض، وقام لنهوضه محادثوه. وامتطى أكابر المماليك جيادهم، ووقفوا بها على رأس فيلقهم الباسل.
فلما تمت الحفلة، وقلد الأمير طوسن اللواء أذن بالانصراف، فتقدم الانكشاريون المماليك مباشرة، وسار الألبانيون خلفهم. وتلا الألبانيون فيلق مشاة يقوده الكتخدا، ومشى الجميع نحو باب العزب. فنزل الانكشاريون المنحدر أولًا ثم تبعهم المماليك، على بعد قليل، حتى إذا خرج آخر انكشاري من الباب، كان الأربعمائة والسبعون أميرًا مملوكًا يشغلون بجيادهم المنحدر كله من أسفله إلى أعلاه.
حينئذ حدث أمران: الأول: أن باب العزب أقفل حالًا بعد خروج آخر انكشاري
منه.
والثاني: أن صالح أغا أق قوش أصدر أمره إلى ألبانييه، فانسلوا من وراءِ المماليك، وتسلقوا الصخور المحيطة بالمنحدر، وأسرعوا فكمنوا وراءَها من الجهتين، ومن أسفل إلى فوق. وفي الحال تقدم الفيلق الذي يقوده الكتخدا وانتشر على الأسوار.
حينئذ دوت طلقة مدفع، فما شعر المماليك إلا والرصاص يتناولهم من كل جانب، وهم لا يستطيعون عن أنفسهم دفاعًا. وما هي إلا لحظة وتكدست في الممر الضيق جثث الرجال والخيل، بعضها فوق بعض وجعلت الحركات متعذرة أكثر مما كانت.
أما المماليك الذين وصلوا إلى باب العزب، ورأوه مقفلًا، فإنهم لووا أعنة جيادهم، وقصدوا الرجوع. ولكن حركتهم هذه زادت الذعر ذعرًا والخبل خبلًا. وأما المماليك الذين كانوا على رأس المنحدر، فما دوى حولهم الرصاص إلا ولووا، هم أيضًا، أعنة جيادهم، وقصدوا البلوغ إلى داخل القلعة. ولكن فيلق البيادة المنتشر على الأسوار أصلاهم نارًا حامية، أردتهم بالعشرات.
فكبر الهول واشتد البلاء. ورأى المماليك التعساء — وموت غير منظور يحصد صفوفهم حصدًا — أن لا فائدة لهم من جيادهم، فترجلوا. وتعروا بسرعة من ملابسهم الثمينة الفاخرة، التي لم يكن من شأنها إلا أن تعيق حركات أيديهم وأرجلهم في ذلك الموقف الرهيب، وأقبلوا يجرون، وسيوفهم مشهرة في يد، وطبنجاتهم في الأخرى، يبغون لقاء عدو يثأرون بقتله للكارثة التي حلت بهم.
ولكنهم لم يجدوا أحدًا، واستمر الرصاص الخفي الممطر من كل صوب يحصدهم حصدًا، فسقط جاهين بك أمام عتبة قصرصلاح الدين. وبلغ سليمان بك البواب، والدم في عرض » : يسيل من كل أعضاء جسمه، باب السراي، فانطرح على عتبته، وصاح وكانت استغاثة مقدسة في ذلك العهد — ولكن السيف تناول رقبته، — «! الحريم فقطعها، وجرت جثته، مهينة، إلى مكان بعيد. وتمكن سبعة أو ثمانية من الأمراء من الوصول إلى المكان الذي كان طوسن باشا مقيمًا فيه. فتراموا على قدميه، وسألوه الأمان. ولكن الشاب لم يجسر على مخالفة أوامر أبيه، وتخلى عنهم، فقتلوا صبرًا بين يديه.
وما انفك الرصاص يدوي ويتساقط كالمطر والمماليك يقتلون، حتى فنوا عن آخرهم. ولم ينج منهم إلا واحد فقط اسمه أمين بك — كان قد تخلف، في الصباح لمهمّ، ولم يأت القلعة إلا وأول الموكب هالّ من بابها، فوقف ينتظر ريثما يخرج إخوانه،
لينضم إليهم. ولكنه لما رأى الباب يقفل، وسمع دوي البنادق، أدرك أن هناك غدرًا. فلوى عنان جواده، وفر إلى البساتين، ومنها إلى سوريا.
على أن هذا ليس ما تناقلته الألسن عن كيفية نجاته. والرواية التي قرت في الأذهان هي: أنه لما دوى نذير الموت وثب بحصانه إلى داخل القلعة، يبحث عن منفذ فلم يجد، في كل جهاتها، سوى سور ارتفاعه ستون قدمًا، فلم يتردد، وفضل نوع موت فيه بصيص أمل بالنجاة على نوع موت لا أمل فيه، فأجرى حصانه، وقفز به من فوق السور، فقتل الجواد ونجا الفارس. ولا يزالون حتى يومنا هذا يشيرون إلى المكان الذي قفز منه، ويدعونه محل وثبة المملوك!
لما انتهت المأساة، ورأى الألبانيون أنه لم يعد هناك مملوك إلا وهو مردى، برزوا من مكامنهم. ونظروا، بدون خوف لأول مرة في حياتهم، إلى أولئك الفرسان المجزورين، فأجهزوا على الجرحى، ومثلوا بالقتلى، واستولوا على الأسلاب.
وأما محمد علي، فإنه بعد أن رتب كيفية خروج الموكب، عاد إلى قاعة الديوان الكبرى وأقام فيها، يحيط به أمناؤه. ومع أنه لم يهمل في اتخاذ احتياطاته شيئًا، إلا أن القلق كان باديًا عليه في روحاته وجيئاته الصامتة في طول تلك القاعة وعرضها. ولما سمع طلقة المدفع المنذرة ببدء المجزرة وقف بغتة، وجرى دمه نحو قلبه بسرعة، فعلا وجهه الاصفرار. ولكنه ما أطل من نافذة، ورأى الفرسان تردى تباعًا، والرءوس تقطع إلا وانتظمت دورة الدم في عروقه، وفارق الاصفرار وجهه، غير أنه لم ينبس بكلمة واحدة. أجل، هذا أمر قد فرغ منه، » : ولما وافاه الجنوي مندرتشي، أحد أطبائه، وقال له مهنئًا لم يجب بشيء، ولكنه طلب ماءً وشرب جرعًا طويلة! «! واليوم يوم سعيد لسموكم وبينما كانت المأساة تجري في القلعة مجراها، سارت النجب بكتب الباشا إلى حكام الأقاليم، تأمرهم بقتل كل مملوك يوجد في دائرة أحكامهم. وكل مملوك يقع تحت أيديهم، فنفذ الكشاف الأوامر، وتباروا فيمن يرسل إلى القاهرة رءوسًا أكثر من زميله، حتى بلغ عدد القتلى في الأقاليم ألفًا وزاد.
ولما سمع المماليك الذين كانوا لا يزالون في الصعيد بأنباء الكارثة التي حلت بهيئتهم، سقطت قلوبهم، وخارت هممهم، فأرسلوا إلى محمد علي يطلبون أن يعين لهم المكان الذي يختاره لإقامتهم، فيعيشوا حياتهم الباقية في سلام، فبعث إليهم جيشًا تعقبهم بعنف وبلا ملل، وما زال يطاردهم حتى أجلاهم عن البلاد، وألجأهم إلى الإقامة بدنقلة، حيث عاشوا معيشة مهينة، وماتوا موتًا لم يلفت أحدًا؟
-------------------------- -----------------
https://www.facebook.com/ premiumselectegypt
وكان عدد من لبى الدعوة من الأمراء أربع مئة وسبعين، فلما اجتاز آخر أمير منهم باب العزب — وهو باب القلعة من جهة الغرب، ويُفتح الآن على ميدان صلاح الدين، الذي كان يقال له في ذلك العهد ميدان الرميلة — لما اجتاز آخر أمير منهم باب العزب انغلق مصراعاه وراءه، وأقامت أقوام المتفرجين تنظر فتحه لخروج الداخلين منه.
وكان الباشا قد قضى ليلته في سراي القلعة، وقام مبكرًا كعادته، فاستقبل وفود القادمين بكل بشاشة وحفاوة. وبالغ، على الأخص، في إكرام الأمراء المماليك، فإنه قدم إليهم القهوة، وما فتئَ يحادث أكابرهم، حتى أتاه من أخبره بأن المدعوين استقروا في أماكنهم وأن جميع فيالق العسكر اصطفت في مواضعها فنهض، وقام لنهوضه محادثوه. وامتطى أكابر المماليك جيادهم، ووقفوا بها على رأس فيلقهم الباسل.
فلما تمت الحفلة، وقلد الأمير طوسن اللواء أذن بالانصراف، فتقدم الانكشاريون المماليك مباشرة، وسار الألبانيون خلفهم. وتلا الألبانيون فيلق مشاة يقوده الكتخدا، ومشى الجميع نحو باب العزب. فنزل الانكشاريون المنحدر أولًا ثم تبعهم المماليك، على بعد قليل، حتى إذا خرج آخر انكشاري من الباب، كان الأربعمائة والسبعون أميرًا مملوكًا يشغلون بجيادهم المنحدر كله من أسفله إلى أعلاه.
حينئذ حدث أمران: الأول: أن باب العزب أقفل حالًا بعد خروج آخر انكشاري
منه.
والثاني: أن صالح أغا أق قوش أصدر أمره إلى ألبانييه، فانسلوا من وراءِ المماليك، وتسلقوا الصخور المحيطة بالمنحدر، وأسرعوا فكمنوا وراءَها من الجهتين، ومن أسفل إلى فوق. وفي الحال تقدم الفيلق الذي يقوده الكتخدا وانتشر على الأسوار.
حينئذ دوت طلقة مدفع، فما شعر المماليك إلا والرصاص يتناولهم من كل جانب، وهم لا يستطيعون عن أنفسهم دفاعًا. وما هي إلا لحظة وتكدست في الممر الضيق جثث الرجال والخيل، بعضها فوق بعض وجعلت الحركات متعذرة أكثر مما كانت.
أما المماليك الذين وصلوا إلى باب العزب، ورأوه مقفلًا، فإنهم لووا أعنة جيادهم، وقصدوا الرجوع. ولكن حركتهم هذه زادت الذعر ذعرًا والخبل خبلًا. وأما المماليك الذين كانوا على رأس المنحدر، فما دوى حولهم الرصاص إلا ولووا، هم أيضًا، أعنة جيادهم، وقصدوا البلوغ إلى داخل القلعة. ولكن فيلق البيادة المنتشر على الأسوار أصلاهم نارًا حامية، أردتهم بالعشرات.
فكبر الهول واشتد البلاء. ورأى المماليك التعساء — وموت غير منظور يحصد صفوفهم حصدًا — أن لا فائدة لهم من جيادهم، فترجلوا. وتعروا بسرعة من ملابسهم الثمينة الفاخرة، التي لم يكن من شأنها إلا أن تعيق حركات أيديهم وأرجلهم في ذلك الموقف الرهيب، وأقبلوا يجرون، وسيوفهم مشهرة في يد، وطبنجاتهم في الأخرى، يبغون لقاء عدو يثأرون بقتله للكارثة التي حلت بهم.
ولكنهم لم يجدوا أحدًا، واستمر الرصاص الخفي الممطر من كل صوب يحصدهم حصدًا، فسقط جاهين بك أمام عتبة قصرصلاح الدين. وبلغ سليمان بك البواب، والدم في عرض » : يسيل من كل أعضاء جسمه، باب السراي، فانطرح على عتبته، وصاح وكانت استغاثة مقدسة في ذلك العهد — ولكن السيف تناول رقبته، — «! الحريم فقطعها، وجرت جثته، مهينة، إلى مكان بعيد. وتمكن سبعة أو ثمانية من الأمراء من الوصول إلى المكان الذي كان طوسن باشا مقيمًا فيه. فتراموا على قدميه، وسألوه الأمان. ولكن الشاب لم يجسر على مخالفة أوامر أبيه، وتخلى عنهم، فقتلوا صبرًا بين يديه.
وما انفك الرصاص يدوي ويتساقط كالمطر والمماليك يقتلون، حتى فنوا عن آخرهم. ولم ينج منهم إلا واحد فقط اسمه أمين بك — كان قد تخلف، في الصباح لمهمّ، ولم يأت القلعة إلا وأول الموكب هالّ من بابها، فوقف ينتظر ريثما يخرج إخوانه،
لينضم إليهم. ولكنه لما رأى الباب يقفل، وسمع دوي البنادق، أدرك أن هناك غدرًا. فلوى عنان جواده، وفر إلى البساتين، ومنها إلى سوريا.
على أن هذا ليس ما تناقلته الألسن عن كيفية نجاته. والرواية التي قرت في الأذهان هي: أنه لما دوى نذير الموت وثب بحصانه إلى داخل القلعة، يبحث عن منفذ فلم يجد، في كل جهاتها، سوى سور ارتفاعه ستون قدمًا، فلم يتردد، وفضل نوع موت فيه بصيص أمل بالنجاة على نوع موت لا أمل فيه، فأجرى حصانه، وقفز به من فوق السور، فقتل الجواد ونجا الفارس. ولا يزالون حتى يومنا هذا يشيرون إلى المكان الذي قفز منه، ويدعونه محل وثبة المملوك!
لما انتهت المأساة، ورأى الألبانيون أنه لم يعد هناك مملوك إلا وهو مردى، برزوا من مكامنهم. ونظروا، بدون خوف لأول مرة في حياتهم، إلى أولئك الفرسان المجزورين، فأجهزوا على الجرحى، ومثلوا بالقتلى، واستولوا على الأسلاب.
وأما محمد علي، فإنه بعد أن رتب كيفية خروج الموكب، عاد إلى قاعة الديوان الكبرى وأقام فيها، يحيط به أمناؤه. ومع أنه لم يهمل في اتخاذ احتياطاته شيئًا، إلا أن القلق كان باديًا عليه في روحاته وجيئاته الصامتة في طول تلك القاعة وعرضها. ولما سمع طلقة المدفع المنذرة ببدء المجزرة وقف بغتة، وجرى دمه نحو قلبه بسرعة، فعلا وجهه الاصفرار. ولكنه ما أطل من نافذة، ورأى الفرسان تردى تباعًا، والرءوس تقطع إلا وانتظمت دورة الدم في عروقه، وفارق الاصفرار وجهه، غير أنه لم ينبس بكلمة واحدة. أجل، هذا أمر قد فرغ منه، » : ولما وافاه الجنوي مندرتشي، أحد أطبائه، وقال له مهنئًا لم يجب بشيء، ولكنه طلب ماءً وشرب جرعًا طويلة! «! واليوم يوم سعيد لسموكم وبينما كانت المأساة تجري في القلعة مجراها، سارت النجب بكتب الباشا إلى حكام الأقاليم، تأمرهم بقتل كل مملوك يوجد في دائرة أحكامهم. وكل مملوك يقع تحت أيديهم، فنفذ الكشاف الأوامر، وتباروا فيمن يرسل إلى القاهرة رءوسًا أكثر من زميله، حتى بلغ عدد القتلى في الأقاليم ألفًا وزاد.
ولما سمع المماليك الذين كانوا لا يزالون في الصعيد بأنباء الكارثة التي حلت بهيئتهم، سقطت قلوبهم، وخارت هممهم، فأرسلوا إلى محمد علي يطلبون أن يعين لهم المكان الذي يختاره لإقامتهم، فيعيشوا حياتهم الباقية في سلام، فبعث إليهم جيشًا تعقبهم بعنف وبلا ملل، وما زال يطاردهم حتى أجلاهم عن البلاد، وألجأهم إلى الإقامة بدنقلة، حيث عاشوا معيشة مهينة، وماتوا موتًا لم يلفت أحدًا؟
--------------------------
https://www.facebook.com/

تعليقات
إرسال تعليق